الحنين لا يكفي لإقناع أهل تاورغاء بالعودة بعد عشر سنوات على هجرتهم القسرية

الحلاق عبد الغني عمر في صالونه في تاورغاء في ليبيا في 12 ديسمبر 2020 afp_tickers

عبق نيوز| ليبيا / تاورغاء | ما زالت آثار “العقاب الجماعي” تبدو واضحة في مدينة تاورغاء الليبية التي اتهم سكانها في 2011 بأنهم موالون لنظام الزعيم الليبي الراحل “معمر القذافي” وطردوا منها، لكنهم يعودون تدريجياً لمحاولة طي واحدة من الصفحات الأكثر إيلاما من الصراع.

ولم يغادر الشعور بالحنين إلى مسقط رأسه عبد الغني عمر طوال سنوات تهجيره. واليوم تحقق حلمه وعاد مع أسرته إلى مدينته.

وفي صالون حلاقة متواضع هو الوحيد في تاورغاء ويقع عند مدخلها الرئيسي، يقص عبد الغني شعر طفل صغير لم يتجاوز العاشرة من العمر، على أنغام موسيقى غربية.

وقال عبد الغني عمر (35 عاما) لوكالة فرانس برس “البداية كانت صعبة لكنني محظوظ بتشجيع الاصدقاء وأهالي المنطقة، وإقناعي بحاجتهم لمن يقوم بهذا العمل”.

وأضاف أن “البعض يريد العودة لكنهم يفكرون مليا في مصدر دخل يؤمن احتياجات أسرهم”، معتبرا أنهم “محقون قطعا في ذلك ولهم مبرراتهم (…) ولو لم تتوفر لي فرص العمل، لا اعتقد أن عودتي ممكنة بالرغم من مرارة التهجير”.

وتابع أن “الحنين قد لا يكون كافياً لدى كثير من السكان لإقناعهم بالعودة”.

وأنهى اتفاق مصالحة تاريخي بين مصراتة وتاورغاء برعاية دولية منتصف 2018، العداء بين المدينتين استمر لنحو ثماني سنوات.

وبموجب الاتفاق سمح لسكان تاورغاء المهجرين بالعودة إلى مدينتهم الواقعة 240 كلم شرق طرابلس. وتعهدت حكومة الوفاق المدعومة من الأمم المتحدة بإعادة إعمارها ودفع تعويضات للمتضررين في كلا المدينتين.

وعلى الرغم من مرور عامين ونصف على الاتفاق، لا يزال قسم كبير من مهجري تاورغاء يرفضون العودة إلى مدينتهم ويقيمون في مخيمات عشوائية، بعدما أجبرهم معارضو القذافي من مدينة مصراتة الواقعة على بعد أربعين كيلومترا، على مغادرتها الثورة الليبية في 2011.

– “نزوح قسري” –

لا يزال جزء كبير من تاورغاء وخصوصا أحياؤها السكنية لم يدخل مرحلة إعادة الإعمار ومعظم المقار الحكومية والخاصة مدمرة كلياً أو جزئياً، والندّوب التي خلفتها الذخائر بأنواعها، تشهد على أن آلة الحرب مرت قبل لحظات وليس منذ سنوات طويلة.

وبالرغم من الاستقرار الأمني وعودة جزء من الخدمات العامة، لم يعد سوى ثلث سكان تاورغاء الذي تجاوز عددهم الخمسين ألفا، إلى المدينة.

وترى منظمة هيومن رايتس ووتش أن “العقاب الجماعي” و”التهجير القسري لسكان تاورغاء يمكن أن يرقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية”.

ومنذ يونيو 2018، عندما تم التوصل إلى مصالحة بين المدن المعادية تحت رعاية حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، بدأ السكان العودة إلى مدينتهم يشجعهم التزام السلطة التنفيذية تعويضهم.

وقال عبد الغني عمر إن “هناك الكثير ممن يودون العودة لكنهم يترددون”، مشددا على صعوبة تأمين دخل في مدينة منكوبة. وأضاف “حتى لو كان المنفى مريراً ، فإن العودة غير ممكنة” للجميع.

وقال محمود أبو حبل (70 عاما) أحد شيوخ وحكماء تاورغاء وأول من عاد إلى مدينته عقب توقيع اتفاق المصالحة، إن لا مبرر لسكانها بالاستمرار في البقاء خارجها.

وأوضح أبو حبل من داخل مزرعته التي أعاد تأهيلها من آثار الحرب أنه “مؤمن بأن وجودنا على أرضنا هو الصحيح ،ولا عذر أمام أهلنا بعدم العودة والمطالبة بحقوقهم”.

وطالب الشيخ محمود بإغلاق كافة المخيمات في طرابلس وبنغازي، لقطع الطريق أمام الأطراف التي تحاول عرقلة اتفاق المصالحة، على حد قوله.

وأضاف “يجب إغلاق المخيمات لدفع المهجرين إلى العودة وطالما المخيمات مفتوحة سيتأخر إعادة إعمار المدينة، وسيظل الاتفاق عرضة للتشكيك من قبل مأجورين”.

– “فوضى” –

فسر رئيس المجلس المحلي لتاورغاء عبد الرحمن الشكشاك، هذا الوضع القائم، بأنه “طبيعي” نتيجة “غياب الحكومة والانشغال بالصراعات والانقسام”.

وأضاف لفرانس برس من مكتبه في مبنى إداري صغير “نحن اليوم فوق أرض تاورغاء وهذا تحقق بعد سنوات من التهجير وتسوية الوضع مع جيراننا في مصراتة”. لكنه أشار إلى “غياب الدولة والانقسام وعدم توفر الميزانيات الكافية وتأخر صرف التعويضات وإعادة إعمار”.

وتابع المسؤول المحلي “طلبنا من الحكومة توفير 1500 وحدة سكنية في مكان محل المدمرة، لكن لم يحدث شيء إلى الآن”. وأضاف “بالرغم من الصعوبات الجمة أعيد تأهيل بعض المدارس والخدمات، لتساهم بإنعاش الحياة بعدما كانت لسنوات أشبه بمدينة الاشباح وصارت لدى الجميع فرصة سانحة لاستعادة مستقبلهم”.

ولاتنوي تهاني خيري وهي من سكان تاورغاء وتقيم في طرابلس منذ ثماني سنوات، العودة إلى مدينتها الأم لأنها انشأت حياة لائقة لأسرتها في العاصمة.

وقالت هذه الأرملة التي تعيل أربعة أولاد “لدي عمل جيد في طرابلس وأولادي في المدارس والجامعات والأمور تسير معنا بخير. لجميع هذه الأسباب لا اعتقد خيار العودة مطروحا”.

وأشارت إلى أن رفضها العودة لا يعني تخليها عن قضية مدينتها لكنها لا تجد في الوقت الراهن دوافع تقنعها بالعودة بالرغم من الحنين المستمر والتفكير فيها.

وقالت تهاني إن “تاورغاء تحتاج إلى عشر سنوات أو أكثر لتعود لأن الظرف الذي مر بها استثنائي وبوضع ليبيا الحالي لن تطالها يد الإعمار، بل ستظل مهملة ولن يكترث لها أحد للأسف”.

وختمت قائلة “تاورغاء تمثل انعكاساً للحالة الليبية المتدهورة واستقرار المدن المضطربة يأتي عندما تستقر ليبيا وتصبح فيها دولة واحدة قوية وهو أمر مفقود قطعا في الوقت الراهن”.

المصدر / فرانس برس العربية.

الحنين لا يكفي لإقناع أهل تاورغاء بالعودة بعد عشر سنوات على هجرتهم القسرية

Comments are closed.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy